عبد الوهاب الشعراني

544

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

لزيادتهم عليهم في العلم والفهم في الكتاب والسنة ، وكلام الأئمة ، وإنما مرادنا العارفون باللّه تعالى وبسائر مذاهب المجتهدين ومقلديهم الذين أتتهم تلك العلوم من طريق الوهب وهؤلاء قليلون في مصر ، ولكن من صدق أوقعه اللّه تعالى عليهم ا ه . وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه اللّه يقول : وهل ثم طريق غير ما فهمناه من الكتاب والسنة وينفي طريق القوم ، فلما اجتمع بسيدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي وأخذ عنه صار يقول : ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تهدم إلا الصوفية ، قال : ومما يدلك على ذلك ما يقع على يد أحدهم من الكرامات والخوارق ولا يقع شيء منها على يد غيرهم ، ولو بلغ في العلم ما بلغ هذا لفظه في كتاب ألفه في طريق الصوفية سماه « التقريب » ، وكذلك بلغنا عن الغزالي قبل اجتماعه بشيخه البازغاني رحمه اللّه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : غاية حضور العالم في الصلاة أن يتدبر فيما يقرؤه ، ويلقي باله لمخارج الحروف واستنباط الأحكام ، وهذه كلها أمور مفرقة عن الحضور مع اللّه تعالى ، فإن من الآيات ما يذهب به إلى الجنة فيشاهد ما فيها ، ومنها ما يذهب به إلى النار فيشاهد ما فيها ومنها ما يذهب به إلى قصة آدم ونوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف الحضور إلى اللّه تعالى ؟ وليس في قدرة النفس أن تشتغل بشيئين معا في آن واحد ، ومن هنا قال مالك رحمه اللّه بأن إرخاء اليدين في الصلاة أولى للضعيف من وضعها تحت صدره آخذا بيمينه يساره ، لأن مراعاتها تشوش على العبد وتمنعه من كمال الإقبال على مخاطبة اللّه عز وجل ومناجاته ، ولا شك أن مراعاة أدب الخطاب مع الحق أولى من مراعاة وضع اليدين تحت الصدر . فعلم أن وضع اليدين تحت الصدر لا يؤمر به إلا من لم تشغله مراعاته عن كمال خطاب اللّه عز وجل من الأكابر الذين ثبتهم اللّه تعالى . أما الأصاغر فربما ذهلوا عن عدد ما صلوا من الركعات ، وما قالوه من التسبيحات لأنها حضرة تذهب العقول كما يعرف ذلك أهل اللّه تعالى ، ولولا أن اللّه تعالى يلطف بهم لما عرف أحد منهم عدد ما صلى ، واللّه تعالى أعلم . وروى الترمذي والديلمي مرفوعا : « لا يقبل اللّه تعالى من عبد عملا حتّى يشهد قلبه مع بدنه » . وروى الترمذي والنسائي وابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « الصّلاة مثنى مثنى تشهّد في كلّ ركعتين وتخشّع وتضرّع وتمسكن وتبؤس وتقنّع من لم يفعل ذلك فهي خداج » . وقوله « تبؤس » معناه إظهار البؤس والفاقة ، وقوله : « تمسكن » من المسكنة والوقار وقوله « تقنع » أي يرفع يديه في الدعاء ، وقوله « خداج » أي ناقصة الأجر والفضل .